ضياء الدين نصر الله بن محمد ابن الأثير الجزري الموصلي ( ابن الأثير الموصلي )
47
المثل السائر في أدب الكاتب والشاعر
ثم السبيل يسره ؛ لأن بين خلقته وتقديره في بطن أمه وبين إخراجه منه وتسهيل سبيله مهلة وزمانا ؛ فلذلك عطفه بثم ، وعلى هذا جاء قوله تعالى : ثم أماته فأقبره ثم إذا شاء أنشره ؛ لأن بين إخراجه من بطن أمه وبين موته تراخيا وفسحة ، وكذلك بين موته ونشوره أيضا ، ولذلك عطفهما بثم ، ولما لم يكن بين موت الإنسان وإقباره تراخ ولا مهلة عطفه بالفاء ، وهذا موضع من علم البيان شريف ، وقلما يتفطن لاستعماله كما ينبغي . ومما جاء من ذلك أيضا قوله تعالى في قصة مريم وعيس عليهما السلام : فحملته فانتبذت به مكانا قصيا . فأجاءها المخاض إلى جذع النخلة قالت يا ليتني مت قبل هذا وكنت نسيا منسيا وفي هذه الآية دليل على أنه حملها به ووضعها إياه كانا متقاربين ؛ لأنه عطف الحمل والانتباذ إلى المكان الذي مضت إليه والمخاض الذي هو الطّلق بالفاء ، وهي للفور ، ولو كانت كغيرها من النساء لعطف بثم التي هي للتراخي والمهلة ، ألا ترى أنه قد جاء في الأخرى قتل الإنسان ما أكفره . من أي شيء خلقه من نطفة خلقه فقدره . ثم السبيل يسره فلما كان بين تقديره في البطن وإخراجه منه مدّة متراخية عطف ذلك بثم ، وهذا بخلاف قصة مريم عليها السلام ، فإنها عطفت بالفاء ، وقد اختلف الناس في مدة حملها ؛ فقيل : إنه كان كحمل غيرها من النساء ، وقيل : لا ، بل كان مدة ثلاثة أيام ، وقيل : أقل ، وقيل : أكثر ، وهذه الآية مزيلة للخلاف ؛ لأنها دلت صريحا على أن الحمل والوضع كانا متقاربين على الفور من غير مهلة ، وربما كان ذلك في يوم واحد أو أقل ؛ أخذا بما دلت عليه الآية . ومما ورد من هذا الأسلوب قوله تعالى : لقد خلقنا الإنسان من سلالة من طين . ثم جعلناه نطفة في قرار مكين . ثم خلقنا النطفة علقة فخلقنا العلقة مضغة فخلقنا المضغة عظاما فكسونا العظام لحما ثم أنشأناه خلقا آخر ففي الآية المتقدم ذكرها قال : من نطفة خلقه فقدره فعطف التقدير على الخلق بالفاء ؛ لأنه تابع له ، ولم يذكر تفاصيل حال المخلوق ، وفي هذه الآية ذكر تفاصيل حاله في تنقله ، فبدأ بالخلق الأول ، وهو خلق آدم من طين ، ولما عطف عليه الخلق الثاني الذي هو